الارشيف / العالم

بهذه البساطة!

  • 1/2
  • 2/2

بعد فوزه بنوبل، سُئلَ نجيب محفوظ: لماذا لا تكتب سيرتك؟

قال: "اللي بيكتبوا سيرتهم الذاتية، دول عشان عاشوا حياة أغنى من حياتي اجتماعيًا وسياسيًا.. يستحقوا يتسلط الضوء عليهم.. لكن مفيش حد عادي بيحكي عن حياته موظف طبيعي، هقول إيه؟ اللي عايز يقراني، يشوف شغلي".

على المستوى الأدبي، نجيب لم يكن كاتبًا عاديًا، وفي هذا الشأن تُسأل لجنة تحكيم نوبل، وأعتى نقاد الأدب العربي والعالمي، ومن قبلهم جموع القراء التي تُيّمت بأعماله على مر أجيال، ولكن، هل كان نجيب "إنسانًا" عاديًا حقًا؟

سئل نجيب في سنواته الأخيرة، ما رأيك فيمن يقابلونك ويحضرون ندواتك، ثم يَدَّعون كذبًا بعدها أنك قد أشدت بأعمالهم الأدبية؟ يعترض نجيب على استخدام اسمه لمصالح شخصية، ولكنه سرعان ما يعود ليبتسم، ويقول بسلامةِ نفسٍ باغتت سائلَهُ: "لكن برضه، أنا مدين لكل الناس اللي حواليا.. هم مصادر ثقافتي الآن واتصالي بالدنيا".


لم يكن يتوقف كثيرًا عند الذين يسيئون له أو لأعماله، كان الأمر بالنسبة له أبسط من ذلك بكثير، فدائمًا سيجد لمن أساء عذرًا بشكل أو بآخر.

في خِضَم ما حدث لبعض رواياته من منع للنشر، أو ما أثير حولها من لغط وتحريض، كان لنجيب رأي بديع حيال حرية الكاتب في مواجهة قيود مجتمعه: "أعتقد أن من حق المجتمع أن يحمي نفسه، كما أن للفرد الحق في مهاجمة ما يختلف معه.. ولكن عليه أن يكون مستعدًا لدفع ثمن الجهر برأيه.. أنا أدافع عن حرية التعبير، وأيضًا عن حق المجتمع في مناهضتها، عليّ أن أدفع ثمن الاختلاف.. تلك طبائع الأمور".

فهمٌ كهذا - على بساطته - يحتاج عقلا فذا للوصول إليه.. يتقبل حرية الجميع، بما في ذلك حرية المجتمع عندما يقيد حريته ويسيء إليه.

ورغم تعامله الفريد حيال الإساءات وسوء الفهم، فإن كل ذلك مفهوم وفي حدود المعقول، ولكن ماذا عن رده حيال محاولة اغتياله؟!

كان نجيب أشبه براهب زاهد، لا يلتفت لكل ما يصاحب جهده المذهل من تفاصيل نجاح أو فشل، كثرة مال أو قلته، ففي البداية، ظل يكتب نحو ستة عشر عاما ما بين 1929 إلى 1945 دون أن يذكره أحد، ولم تنشر روايته الأولى "عبث الأقدار" في 1939 إلا بعد عشر سنوات من محاولته نشر رواياته الأولى التي لم ترَ النور أبدا.

ومع ذلك ظل يعاني بعدها من إهمال نقدي ومن عدم معرفة القارئ العادي به، ثم كانت روايته الرابعة "القاهرة الجديدة" عام 1945 التي بدا أنها أول ما حقق بعض الصدى في العالم العربي، أما عن نجاحه الحقيقي في مصر فلم يتحقق إلا بنشر "الثلاثية" عام 1957، أي بعد ما يقرب من عشرين عامًا على نشر روايته الأولى!

يقول نجيب في أحد حواراته: " أتعلم ما الذي جعلني أستمر ولا أيأس؟ لقد اعتبرت الفن حياة لا مهنة.. كنت أكتب وأكتب لا على أمل أن ألفت النظر إلى كتابتي ذات يوم، بل أكتب وأنا معتقد أني سأظل على هذا الحال دائما.. أتعرف عناد الثيران؟ إنه خير وصف للحالة النفسية التي كنت أعمل بتأثيرها".


كان نجيب مخلصا للأدب بشكل عجيب.. ولكن الأعجب هو حاله بعدما علا نجمه وصار له اسمه الرنان، حيث رفض أكثر من مرة زيادة أجره عن عدد من أعماله في السينما، لأنها - كما قال - "كتير أوي" دون داعٍ، وبعد فوزه بنوبل، كان يعتذر يوميًا، عن حفلات تكريم وأوسمة ونياشين، مفضلا على ذلك الجلوس مع أحد أصدقائه على مقهى بسيط يتحادثون فيه، محافظًا على نظام حياته الذي اعتاد عليه من عشرات السنين، من تخصيص وقت للقراءة والكتابة ومقابلة أصدقائه وقرائه.
نعم، بهذه البساطة.

في الرابع والعشرين من أكتوبر 1994، وهو في الثالثة والثمانين - بعد 6 سنوات من فوزه بنوبل- طعنه شاب تابع لإحدى الجماعات الإسلامية في رقبته.. أراد ذبحه، لأن شيخه كفَّر نجيب بسبب رواية "أولاد حارتنا" وأمره بقتله، لكن الله نجاه، فلم يمت نجيب، ولكنه أصيب ونزف كثيرًا، وتضرر عصب يده اليمنى، فلم يعد يستطيع استخدامها.. تلك اليد التي كتب بها روائعه الخالدة.. توقفت عن العمل.

ما قاله في أول تصريحاته بعد محاولة الاغتيال كان مذهلًا؛ إذ أظهر شفقة حقيقية على هذا الفتى الذي حاول قتله، وقال: "ليه الولد يضيع مستقبله؟"، ثم أعلن أنه يسامحه على فعلته! الكثيرون يدَّعون أن الحب يملأ قلوبهم، ولكن نجيب كان هو التجسيد الحقيقي لهذا الادعاء.

وبعد الحادث فقدت يده القدرة تمامًا على الكتابة، فماذا يفعل؟

يبدو أن شيخًا عجوزًا مثله قد حقق كل ما يمكن تحقيقه في هذه الدنيا من مكانة وشهرة، ليس له بعد هذا الحادث الأليم إلا أن ينزوي مكتئبا منكفئا على تلال أمجاده منتظرًا الموت، ولكن نجيب هو نجيب، مهما بلغ من العمر، ومهما مر من أهوال.. ذلك الفتى الدءوب الذي ظل يعمل ويعمل ويعمل دون انتظار النتيجة.. عاد نجيب، أديب نوبل العالمي، يتعلم الكتابة من جديد! كطفل في الرابعة، يمسك القلم فيقع، فيمسكه ثانية، ويمارس "الشخبطة" لساعات، وعندما استطاع أخيرًا أن يكتب اسمه، فَرِحَ فرحًا شديدًا، وكأنه قد وصل لإنجاز لم يصله أحد قبله! ظل على هذا الإصرار المذهل حتى عادت له قدرته على الكتابة.

كان الأمر بديعًا أن يفقد نجيب القدرة على الكتابة بعد كل هذا المجد، فلا يكون إلا أن يسامح من تسبب في ذلك، ويبدأ من جديد ممارسة ما عاش حياته كلها يفعله حتى الممات.. نعم، بهذه البساطة، وهذا الجمال.

إذن، هل كان نجيب محفوظ إنسانًا عاديًا حقًا، لا تستحق حياته تسليط الضوء عليها كما قال؟
.لا.
نجيب لم يكن فقط غيرَ عادي، ولكنه جمع بين صفات كل واحدة منها تجعله شخصًا استثنائيًا جديرًا بالتأمل والاحتفاء؛ نجيب صاحب أكبر وأهم وأقيم جائزة عالمية في مجاله، كان زاهدًا حقيقيًا في الدنيا، أقرب لقطب صوفي، يدرك جيدًا بساطة الدنيا وهوانها.. وهؤلاء هم من تأتي لهم الدنيا لتكون بين أصابعهم، كان متفردًا محبًا للجميع، محبًا للحياة، متصالحا مع كل تناقضاتها، وأولها الموت.

يقول: "لقد بنيت حياتي كلها على الحب، حب الحياة، وحب الناس، وحب العمل، وأخيرًا حب الموت".