الارشيف / العالم

حصار إيران يعرقل تشكيل الحكومة فى لبنان

جى بي سي نيوز :- وكأن لبنان لم يكتف بما لديه من معوقات داخلية، طائفية ومذهبية وحزبية،تعرقل تشكيل الحكومة،الذى دخل شهره الثالث دون أمل فى التشكيل المكلف به زعيم تيار المستقبل ورئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، حتى جاءت العقوبات الأمريكية ضد إيران،لتزيد الطين بلة،وتؤدى إلى عدم حلحلة عقد تشكيل الحكومة، لأسباب خارجية هذه المرة، سواء من أمريكا أو بعض دول الخليج.

وإذا كانت العقوبات الأمريكية ضد إيران تحمل فى ظاهرها الضغط على طهران بسبب الملف النووي، أو وجود الحرس الثورى فى العراق وسوريا،أو دعم الإرهاب كما تقول واشنطن، فإن ما خفى كان أعظم،خاصة فيما يخص روسيا وسوريا وحزب الله،وهو الأمر الذى يبهج نيتانياهو،أملا فى خروج إيران من سوريا،وتقليم أظافر حزب الله فى سوريا والجنوب اللبناني، خاصة بعد توارد تقارير تفيد حصول حزب الله على منظومات دفاع وصواريخ تطول العمق الإسرائيلى خلال وجوده فى سوريا منذ اندلاع الأحداث الدامية ومشاركة حزب الله وإيران فى الصراع إلى جانب قوات الأسد.

وعلى الرغم من حصول الثنائى الشيعى حزب الله وحركة أمل وحلفائه على أغلبية مجلس النواب اللبنانى عقب الانتخابات النيابية اللبنانية مطلع مايو الماضي، فإن عقبات تشكيل حكومة العهد التى كلف بها الحريري، لا تشمل ضغوطا أو شروطا أو مطالب محددة من الثنائى الشيعي، ولكن خوف أمريكا وتحسب بعض دول الخليج من سيطرة حزب الله وحلفائه على مجلس النواب والحكومة اللبنانية المزمع تشكيلها، أدى ربما إلى تحريض بعض حلفاء أمريكا فى لبنان، إلى وضع العراقيل أمام الحريرى وتعطيل تشكيل الحكومة سواء بالإصرار على حصص وازنة فى الحكومة، أو الإصرار على الحصول على حقائب وزارية سيادية،دون التوافق على تقسيم كعكة الحكومة مما يعطل التشكيل.

ثم جاءت العقوبات الأمريكية ضد إيران لتكون القشة التى قصمت ظهر البعير، وزادت من التعطيل، الذى لا يلوح فى الأفق وقت لإنهائه،حيث طالت العقوبات الأمريكية ضد طهران بعض رجال الأعمال المحسوبين على حزب الله وكذلك بعض الشركات الإيرانية العاملة فى لبنان، وتدعم حزب الله،الأمر الذى جعل البعض فى الشارع السياسى اللبنانى يطالب بضرورة انسحاب حزب الله من سوريا، وكذلك موافقة الرؤساء اللبنانيين الثلاثة عون والحريرى وبرى على العرض الأمريكى الذى قدمته أمريكا نيابة عن إسرائيل،بالرغبة فى عقد صفقة سلام مع لبنان تشمل استعادة مزارع شبعا المحتلة والتوافق على الحدود البرية والبحرية مع إسرائيل، بشرط تقديم إيضاحات حول بعض النقاط واشتراط لبنان أن يكون ذلك برعاية دولية.

وإذا كانت العقوبات الأمريكية تضر إيران فى المقام الأول، إلا أنها أثارت القلق فى الشارع الشيعى فى لبنان، الذى استشعر الخطر من التهديدات خاصة أن إيران ترعى الشيعة فى لبنان، وهو ماأدى إلى استنفار حزب الله فى الجنوب، وكذلك الاستعداد لسحب مقاتليه من سوريا دون تحديد موعد لذلك.

وعلى مايبدو أن العقوبات ضد إيران قد أصابت هدفها فى لبنان،وجعلت بعض التيارات مثل القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع،والحزب التقدمى الاشتراكى بزعامة وليد جنبلاط،يتمسكون بما طلبوا من حقائب وزارية فى الحكومة الجديدة،خاصة أن التيار العونى بزعامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون محسوب على سوريا وإيران، وبالتالى هو فى سلة واحدة مع الثنائى الشيعي.

ويظل توافق الحريرى زعيم تيار المستقبل مع كل القوى السياسية والأحزاب فى لبنان، لا يرضى البعض الذى يدعم المعارضة السورية ضد الأسد وإيران وحزب الله،مما أدى إلى غضب خليجى مكتوم ضد الحريرى وضح جليا فى رفض حجاج تيار المستقبل تأشيرات حج مجانية مثل التى حصل عليها جعجع لحجاج القوات اللبنانية،وكذلك التى حصل عليها وزير الداخلية فى حكومة تصريف الأعمال نهاد المشنوق،حيث فرض على كل حاج من الـ5000حاج لتيار المستقبل،دفع 1800دولار فى حساب الحزم بأحد البنوك اللبنانية،وهو الأمر الذى يفسر بنوع من الضغط على الحريرى المكلف بتشكيل الحكومة.

ثم جاءت واقعة سفينة توليد الكهرباء التركية لتزيد الطين بلة، وتثير التوتر فى الشارع الإسلامى بين السنة والشيعة،حيث إن الباخرة كانت تحمل اسم السيدة عائشة رضى الله عنها،وكانت سترسو فى ميناء الظهرانى جنوب صيدا حيث الوجود والنفوذ الشيعي،وهو ماعرقل دخولها الميناء،فتم تعديل الاسم من عائشة أم المؤمنين إلى «إسراء»، ومع ذلك لم يسمح الثنائى الشيعى بدخولها الميناء.

أضف إلى ذلك رفض أمريكا الصريح تولى حزب الله حقيبة سيادية وكذلك وزارة الصحة فى الحكومة المزمع تشكيلها، وكذلك إصرار عون والحريرى على توزير النائب الدرزى طلال أرسلان المدعوم من سوريا، من حصة وزراء الدروز الثلاثة التى يحتكرها وليد جنبلاط منذ تسعينيات القرن الماضى وحتى اليوم، مما أدى إلى حرب بين أرسلان وجنبلاط على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدى إلى شرخ ليس سهلا فى الطائفة الدرزية.

وإذا كان الرؤساء الثلاثة عون والحريرى وبرى يحاولون جاهدين حلحلة ملف التشكيل وإرضاء جميع الأطراف داخل لبنان،فإن العقوبات الأمريكية ضد إيران قد خلطت الأوراق من جديد، على ملف تشكيل الحكومة ولو بصورة غير مباشرة،ولكن بضغوط على حلفائهم فى الداخل للتمسك بما يطلبون من حصص وزارية،تضرب التوافق،وتعطل تشكيل الحكومة الذى دخل الأمر بتكليف تشكيلها شهره الثالث دون جدوي.

فهل سيستمر التعطيل حتى تتضح آثار العقوبات الأمريكية ضد طهران،وبالتالى سوريا وحزب الله، أم أن الفرقاء اللبنانيين سيقفزون فوق مشاكلهم الداخلية والضغوط الخارجية ويسهلون تشكيل الحكومة التى قد يسقط أمر تكليفها فى أى لحظة حسب الدستور اللبناني، وتعود الأمور إلى المربع صفر،أم أن الأمور ستظل رهن الرغبات الداخلية والإملاءات الخارجية، لتستمر حكومة تصريف الأعمال إلى أجل غير مسمي،وتصاب الحياة السياسية بالشلل كما حدث خلال الفراغ الرئاسى الذى استمر نحو ثلاث سنوات نتيجة العناد الداخلى والإملاءات الخارجية أيضا؟

الاهرام