الارشيف / العالم

الشباب والتحدي الثقافي.. (2-2)

اشترك لتصلك أهم الأخبار

كيف نواجه الثقافة الوافدة؟

إن هذا الزحف كله لا يصيبنا بالخوف، وإن كان يستوجب منا الحذر والحكمة والدراسة والعمل الدؤوب، حتى نحمى أجيالنا من سلبيات الإعلام، وسلبيات شبكات التواصل الاجتماعى، ونجعلهم يستفيدون من إيجابياته..

والمطلوب فى تصورنا هو:

1- الإشباع الروحى:

فلا شك أن «اَلنَّفْسُ الشَّبْعَانَةُ تَدُوسُ الْعَسَلَ وَلِلنَّفْسِ الْجَائِعَةِ كُلُّ مُرٍّ حُلْوٌ» (أم 7:27).

إذن فحينما نشبع أولادنا وبناتنا دينيًا، لا شك أن هذا الشبع يخلق شخصية يسهل فطامها عن طغيان التليفزيون والنت والشات، وكل وسائل التواصل الاجتماعى الضارة، وتسهل مقاومتها لأى سلبيات فى برامجه. فالمسيحية قوة جبارة تخلص الإنسان من سلطان الجسد والعالم والشيطان، وتعطيه إمكانية النصرة على الشر فى كل صوره، والاستغناء عن اللذة المحرمة مهما كان إغراؤها. لذلك يجب أن نشجع على التدين السليم من صلاة وصوم وممارسات روحية.. إن الفراغ الداخلى هو السر وراء جاذبية وسائل التواصل الاجتماعى المتزايدة، أما الإنسان الشبعان بالنعمة فسوف يشاهد القليل النافع ويرفض كل ما هو غث.

2- الإشباع الثقافى:

كنا نرى فى بيوتنا مكتبات تحوى كل جديد فى ميادين الروح والفكر والعلم، وكان الأب يقرأ كتاباً ويتركه ليقرأه الابن، ويتناقشان فى روح جميلة فى كل ما هو بناء.

أما الآن فأصبحنا نركن إلى السطحية الثقافية، ننتظر ما يمليه علينا الفيس والنت ووسائل التواصل الاحتماعى بما فيها من جيد وسيئ، إيجابى وسلبى. نحتاج إلى دفعة جديدة نحو القراءة، تشحذ الذهن وتملأ الحياة بحماس مقدس، واتجاهات بناءة، ولا تترك للشباب وقتاً للضياع والانحراف. الإنسان المثقف لديه من الثقل الداخلى ما يجعله يعزف عن التفاهات، ويرتبط بكل الأمور والبرامج والكتب البناءة. وقد أجرى علماء الاجتماع فى الولايات المتحدة تجربة منذ عدة سنوات، اتفقوا فيها مع مجموعة عائلات على عدم مشاهدة التليفزيون لمدة شهرين، لكى يلاحظوا ماذا سيحدث عندئذ، فلاحظوا:

1- أن الأسرة تماسكت، حيث كان الكل مشدودين إلى الشاشة، أو كل فرد أمام تليفزيونه الخاص يشاهد ما يروق له من برامج.

2- أن الأسر تزاورت، مما نمّى العلاقات الاجتماعية بينها.

3- أن الشباب بدأ يقرأ.. بعد الفراغ الضخم الذى أحدثه غلق التليفزيون والشاشة.

3- الانتقاء البناء:

حين يشبع القلب، والفكر بالثقافة، يكون من السهل على الإنسان أن يفرز الغث من السمين، وأن يختار من البرامج والأصدقاء والكتب والمجلات ما يبنيه ويطرد ما يهدمه.

ويقول الكتاب المقدس: «امْتَحِنُوا كُلَّ شَىْءٍ، تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ» (1تس 21:5). وهو يزن الأمور من منطلق آيات ثلاث هى:

* «كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِى لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ» (1كو 12:6).

*«كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِى وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تَبْنِى» (1كو 23:10).

*«كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِى لَكِنْ لاَ يَتَسَلَّطُ عَلَىَّ شَىْءٌ» (1كو 12:6).

إنه يحيا فى حرية داخلية، يقرأ ويدرس ويتناقش ويشاهد ويسافر إلى الخارج ويعود... إلخ.

التدين وعصر الاتصال والمعلومات

وبالطبع.. فلا بد من وقفة هنا بخصوص دور العبادة ومسؤوليتها أمام هذا التطور المذهل والسريع.. وأستطيع أن ألخص ذلك فى كلمات بسيطة، ولكنها تحتاج إلى برامج وخطط طموحة وهامة. فمثلاً:

1- نحتاج أن نستوعب يومياً ما يحدث من تطورات فى عالم الاتصال والعلوم والمعلومات.

2- نحتاج إلى تدريب كوادر ناضجة فى هذه المجالات، داخل وخارج القطر.

3- نحتاج إلى رأى وموقف دينى من كل إنجاز، إذ إن هذه الثورة يمكن أن تعصف بكل القيم والموروثات والمثل العليا، ما لم يكن هناك موقف واضح من كل شىء، سواء من جهة الدين أو الهوية الحضارية أو الثقافة والفكر والعلوم.

4- نحتاج إلى تأصيل شبابنا المسيحى خصوصاً والمصرى عموماً، أمام هذا الطوفان الهائل: التأصيل الروحى الدينى والثقافى والاجتماعى والوطنى، حتى يستطيع الصمود، والتفاعل، والاستفادة مما هو جيد، ورفض ما هو ردىء. وها نحن نرى شبكات الكمبيوتر، تنافس البث التليفزيونى من الأقمار الصناعية، فى نشر الإباحية والانحلال والمادية والإلحاد.. إنه غزو هائل يحتاج إلى تأصيل.

يعظم انتصارنا

ليس معنى هذا «نهاية العالم» فمهما كانت ضغوط العصر وإغراءاته، إلا أن غنى الروح، والاقتناع بالصواب، والإفراز والتمييز، واستيعاب دروس التاريخ والخبرة الإنسانية، من جهة صعود وهبوط الحضارات.. كل هذا يجعلنا- بنعمة الله- قادرين على الصمود، والارتقاء بشبابنا فى مدارج الحياة المقدسة، التى بدونها لا يكون سلام للإنسان ولا شبع للروح، ولا وصول للأبدية السعيدة.. بل بالعكس: دمار للجسد وخواء فى الداخل، ونكوص للإنسانية.

وليكن هتافنا المستمر، وخبرتنا اليومية «فِى هَذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا، بِالَّذِى أَحَبَّنَا» (رو 37:8).. فالتطورات العلمية تحمل إلينا الخير الجزيل، وعلينا فقط أن نرفض ما قد تحمله إلينا من شر هزيل!!.

فلنحيا مع شبابنا حياة روحية مشبعة، حياة ثقافية بناءة، ولندخل معاً باستمرار فى حوار حىّ، يبنى ضمائرهم وشخصياتهم، حتى لا يكونوا مثل ريشة فى مهب الرياح..

* أسقف الشباب العام بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية