الارشيف / العالم

عشرة كتاب على رأسهم أنيس منصور ولويس عوض ورجاء النقاش ولطيفة الزيات يحاكمون نجيب محفوظ

Advertisements

كانت مجلة الهلال أصدرت أعدادا خاصة لطه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وأحمد شوقى، وفى شهر فبراير عام 1970 أصدرت عددا خاصا عن نجيب محفوظ أيضا. كان عمره وقتها 59 عاما (مواليد 1911) لكن من هو نجيب محفوظ لتصدر عنه الهلال عددا خاصا بجانب الأربعة الكبار ؟ راحت الهلال تشرح : إنه يعيش من أجل أدبه كما يعيش القديس من أجل رسالته، لا يهرب من رسالته إذا وجد نفسه وحيدا بلا أصدقاء ولا مريدين، وقد مر بلحظات عصيبة كان يمكن أن تنحرف به عن طريقه وتدفعه إلى اليأس والانقطاع، كما حدث لعدد من زملائه الذين بدأوا معه ثم يئسوا وانقطعوا. لم يكن يجد أى تجاوب من القراء أو النقاد فى البداية، ولكنه استمر بل وتعرض لحملات نقدية قاسية وعنيفة كفيلة بإزعاجه وإطفاء شعلة الإلهام الفنى عنده، ومع ذلك استمر، وتحمل المشقات جميعا فى سبيل مواصلة رسالته الأدبية ستة وثلاثين عاما متلاحقة (بدأ الكتابة عام 1934) ومازال يواصل الكتابة ويمضى فى طريقه.

وهو يحتل مكانته ككاتب مع الرواد الكبار لأسباب أكثر وأعمق وأبعد من مثابرته وكثرة إنتاجه. فهو كاتب صاحب موهبة أصيلة، قومى كبير مثل ديكنز للانجليز، وتولستوى بالنسبة للروس وبلزاك للفرنسيين. يضع عينيه دائما على مصر يسمع نبضها وتاريخها وواقعها، وأدبه لون من الأدب السياسى الرفيع، وهذه نقطة أساسية تربط بينه وبين تاريخنا القومى برباط لا ينقطع، وترفع من قامته حتى تجعله من بناة الوجدان العربى الأصيل.

لكن الهلال وسط هذا الاحتفاء الكبير نصبت له محكمة من كبار النقاد والكتاب، قدم كل منهم اتهاما، وراح نجيب محفوط بعقله المتوهج وثقافته الموسوعية يتصدى لكل الاتهامات، وتحولت المحاكمة التى نعيد نشرها اليوم فى ذكرى وفاته الى مباراة فكرية مع عشرة من كتابنا ونقادنا الكبار وهم : أنيس منصور، ورجاء النقاش، ورشاد رشدى، ولويس عوض، ورشدى صالح، وفاطمة موسى، وفؤاد دواره، ولطيفة الزيات، ومعين بسيسو، ومصطفى سويف.. وكان ذلك قبل أن يحصل على جائزة نوبل بـ 18 عاما.


من الطبيعى أن يثير أدب نجيب محفوظ قضايا نقدية وفكرية عديدة.. وفى هذه «المحاكمة» الفكرية يقف نجيب محفوظ أمام هيئة تتكون من عشرة نقاد وأدباء، قدم كل منهم اتهاما أو سؤالا إلى الفنان الكبير وتولى نجيب محفوظ الرد ـ بقلمه ـ على هذه الاتهامات أو هذه الأسئلة المختلفة.. بصراحة ووضوح.. وفى هذا التحقيق الأدبى راعينا ترتيب النقاد حسب الحروف الأبجدية: عشرة نقاد وعشر قضايا فى محاكمة نجيب محفوظ

الوان الطيب

عزيزى الأستاذ نجيب محفوظ:

أنت رجل مقتدر على معظم الأشكال الأدبية. سدت الرواية وتفوقت فى القصة ومارست المسرحية. فلماذا لم تجرب كتابة المقال وهو من أهم الأشكال الأدبية وأصرحها للتعبير عن الرأي.

وهناك روائيون ومسرحيون اشتهروا بالرواية والمسرحية وفى نفس الوقت يعتبرون من أعظم كتاب المقالات عندنا.

2018-636712637369595136-959.jpg

مثلا: آلان روب جرييه يعتبر من أحسن كتاب الرواية الجديدة أو الرواية اللاروائية وهو من أحسن كتاب المقال.. والمؤلف المسرحى يونسكو من أجمل وأوضح كتاب المقالات أيضا رغم أنه أشتهر بالرواية والمسرحية فى العصر الحديث.

وأنت! لماذا لم تكتب المقال؟ هل تخاف أن يكون لك موقف بين وواضح ـ وأنا لا أنكر أنك رجل بين وواضح ـ فتحاسب عليه. وبذلك تفضل أن تضع مواقفك على ألسن أبطالك! أو لانك درست الفلسفة ومعروف فى الفلسفة أن أكمل الأشكال هى الدائرة أو الكرة وهى كما تقول الفلسفة اليونانية القديمة أكمل الأشياء الهندسية، ولكن الكرة ليس لها طرف وأنت لاتحب أن يمسك أحد من طرف.. وبذلك تعزف على جميع أصابع البيانو وتعرض جميع ألوان الطيف. أو لأنك تحب أن يعرف عنك كما عرف عن توفيق الحكيم الغموض والألغاز وأن تكون أحسن من يتظاهر بأنه ثمل بينما هو واع فى منتهى الوعي؟

أنيس منصور

كتبت المقال فعلا

عزيزى الأستاذ أنيس منصور..

> > أبيت ألا أن تجعل من سؤالك مقالا، وأن تحصى فى نفس الوقت الاجابات الممكنة فلا تفوتك اجابة. وأخشى ما أخشاه أن قدمت لك اجابة سبقت فى سؤالك أن ترمينى مرة أخرى بالاقتباس. ولكنى سأحاول أن أكاشفك بذات نفسي: لقد بدأت حياتى بكتابة المقال، كتبت بصفة متواصلة فيما بين عامى 1928 و1936 مقالات فى الفلسفة والأدب فى المجلة الجديدة والمعرفة والجهاد اليومى وكوكب الشرق. ثم اهتديت إلى وسيلتى التعبيرية المفضلة وهى القصة والرواية. ولو كنت صحفيا لواصلت كتابة المقال إلى جانب القصة والرواية، ولكنى كنت ومازلت موظفا، فلم يكن شئ يرجعنى إلى المقال إلا ضرورة ملحة، يضيق عنها التعبير القصصي. وأعترف لك بأن هذه الضرورة لم توجد بعد. فأنا لا أعد نفسى من أصحاب الرأى ولكنى من زمرة المنفعلين بالآراء ولذلك فمجالى هو الفن لا الفكر. وثق بأنه لو أخرجنى الله من الظلمات برأى شخصى يمكن أن أنسبه إلى نفسى لما ترددت لحظة فى تسجيله فى مجاله المفضل ـ بل الوحيد ـ وهو المقال، ألا ترى أن جرييه صاحب رأى فى الرواية الجديدة؟.. وكذلك يونسكو بالنسبة للمسرح؟.. ولكن ما حيلتى إذا لم يكن عندى رأى جديد؟ قضى ربك أن أكون من أصحاب القلوب لا العقول ولا مناص من الرضا بقضاء الله

نجيب محفوظ
 

 

بين الوفدية والماركسية

عزيزى الأستاذ نجيب محفوظ:

ان من يتابع أعمالك الفنية قبل الثورة وبعدها يكتشف بوضوح أنك كنت ـ فى أعمالك الفنية ـ تميل إلى حزب الوفد قبل الثورة، والحقيقة أن هذا »الميل الوفدي« يكشف عن عنصر شعبى أصيل فى شخصيتك.. فكثير من الأدباء والمفكرين الاصلاء فى تاريخنا الفكرى والوطنى كانوا مع الوفد قبل الثورة رغم أن أحدا منهم لم يتردد عند الضرورة فى ابداء النقد والتحفظ ضد الوفد وتركيبته السياسية.. هذا هو موقفك السياسى كما أتصوره ـ قبل الثورة.. أما بعد الثورة فمن الواضح أنك أصبحت تميل إلى الفكر الماركسي.. فالماركسيون فى رواياتك هم الأبطال والشهداء وحاملو الزهور الحمراء وهم الذين يضيئون الحياة بنور الأمل فى الظلمات.. وأحيانا يبدو نقدك للماركسيين هو نقد »العشم«.. أى نقد الذى كان ينتظر منهم الكثير ولكنهم خيبوا الرجاء المعقود عليهم كما نلاحظ فى قصتك القصيرة البديعة »عنبر لولو« .. وهذا نفسه يدل على ميلك إلى الماركسية وانعطافك نحوها! أى ان مسارك السياسى كان من »الوفدية« إلى »الماركسية«

2018-636712637535337955-533.jpg

وأريد أن أسألك : هل هذه الفكرة صحيحة أو أننى مخطئ وأننى أبنى موقفى على الظن الأدبي.. وبعض الظن ـ فى الأدب كما فى الحياة ـ اثم!؟

وأريد أن أسألك أيضا:اننى رغم ما أحس به من ميلك إلى الماركسية فأنا ألمح فى كتاباتك ترددا فى اعلان ايمانك بهذه العقيدة السياسية..

فلماذا التردد؟ هل هو ايمان لم يكتمل بعد.. أى أنك مازلت على حافة الايمان ، وعلى حافة الماركسية .. أو أنها الظروف السياسية العربية التى تفرض عليك شيئا من الحذر ؟ انى أسألك وأعرف أنى أضع فى طريقك بعض المتفجرات.. ولكن قلبى معك وقلبى عليك.. فدمك عندى أثمن من الحياة !

رجاء النقاش

 

 

أشك فى النظرية كفلسفة

عزيزى الأستاذ رجاء النقاش..

> > لقد شخصتنى فأجدت التشخيص. فلو خيرت بين الرأسمالية والماركسية لما ترددت فى الاختيار لحظة واحدة. ولكن هل يعنى ذلك أننى ماركسي؟! الماركسى هو المؤمن أو المقتنع بالماركسية نظرية وتطبيقا وبلا أدنى تردد، ولو ادخل فى اعتباره التجديدات التى طرأت على النظرية

على هذا الأساس لا أستطيع أن اعتبر نفسى ماركسيا رغم التعاطف الشديد. ذلك اننى ضعيف الايمان بالفلسفات، ونظرتى إليها فنية أكثر منها فلسفية، ولعل الايمان الوحيد الحاضر فى قلبى هو ايمانى بالعلم والمنهج العلمى وبقدر شكى فى النظرية كفلسفة فانى مؤمن بالتطبيق فى ذاته، بصرف النظر عن اخطاء التجريب ومآسيه.

2018-636712637911612526-161.jpg

ولكى أكون واضحا أكثر . أعترف لك بأننى أؤمن بتحرير الانسان من:

1 ـ الطبقية وما يتبعها من امتيازات كالميراث وغيره

2ـ الاستغلال بكافة أنواعه

3ـ ان يتحدد موقع الفرد بمؤهلاته الطبيعية والمكتسبة

4ـ ان يكون أجره على قدر حاجته

5ـ ان يتمتع الفرد بحرية الفكر والعقيدة فى حماية قانون يخضع له الحاكم

والمحكوم.

6ـ تحقيق الديمقراطية بأشمل معانيها

7ـ التقليل من سلطة الحكومة المركزية بحيث تقتصر على الأمن والدفاع

هذه صورة المجتمع الماركسى فى نظرى الذى هدفه حرية الفرد وسعادته، والاعتماد فى كل شئ على العلم، وربما التوجه فى النهاية لمعرفة الحقيقة العليا أو المشاركة فى خلقها

وكل ذلك أمكن لى دون الايمان بالنظرية .. فماذا تعدني؟

نجيب محفوظ

 

التسجيلية والأخلاقية

عزيزى الأستاذ نجيب محفوظ:

إلى أى مدى تعتبر الأدب وثيقة تسجيلية أو أخلاقية.. وإلى أى مدى تعتبر أدبك ينتمى إلى هذا النوع أو ذاك ؟!

2018-636712638081485706-148.jpg

د. رشاد رشدى

عزيزى الدكتور رشاد رشدي..

الأدب وثيقة تسجيلية يمكن الاستئناس بها ولكن من المغامرة غير العلمية الاعتماد عليها. إن أحداث الأدب تقع فى التاريخ، القديم أو المعاصر، حتى الأدب المجرد لا يخرج كلية عن حدود التاريخ المرنة. ولكن أى تاريخ وأى تسجيل؟..

إنه لا يعتمد على المراجع أو الاحصاء ولكنه يعتمد أولا وأخيرا على القلب، العاطفة، الوجدان. فالأدب وثيقة تسجيلية للأديب لا للتاريخ أو الواقع. يخيل إلى أن الأدب ثورة على الواقع لا تصوير له. غاية ما فى الأمر أن هذه الثورة قد ترتدى شكلا صريحا ثوريا كما فى الأدب الحديث أو ترتدى لباس الواقع الظاهر بعد أن تحدث فيه خفية كل تغييراتها. إن بين القصرين يمكن اعتبارها وثيقة تسجيلية، كذلك رواية الأستاذ أحمد حسين وهى عن نفس الفترة. اقرأ الروايتين وسوف توقن من أنه لا توجد وثيقة تسجيلية على الاطلاق!! والحق إننى لم أكتب الثلاثية لأؤرخ لمصر، بل لم أكتب القصص التاريخية الصريحة «عبث الأقدار ـ رادوبيس ـ كفاح طيبة» لأقدم تاريخا بأمانة، وما دفعنى للكتابة فى الحالين إلا حبى لأماكن وأشخاص وقيم.

..................

أما الأخلاق فأمرها مختلف فى اعتقادى..

أى رواية هى مجموعة من السلوك، وأى سلوك فهو حركة أخلاقية. فلا يخلو أدب من أخلاقية معينة. أحيانا يكون الأديب مؤمنا بمجتمعه فيحكم ـ بالطريقة التى يختارها ـ على شخوصه تبعا لأخلاقية جاهزة يؤمن بها، ويقترب لذلك من الواعظ. وأحيانا يكون غير مؤمن بقيم مجتمعه، ولكنه يحلم بطريقة ما، بعالم جديد وقيم جديدة، وقد تبدو لذلك روايته غير أخلاقية، أو أنها جمالية بحتة، على حين أنها تبشر ضمنا بأخلاق جديدة. على هذا الأساس فإنى اعتبر مؤلفى «صورة دوريان جراى» و «أزهار الشر» و «عشيق الليدى شترلي» كتابا أخلاقيين، حتى المرحوم الشاعر عبد الحميد الديب فهو شاعر أخلاقى..

..................

بعد هذه المقدمات فإنى اعتبر أدبى تسجيليا أخلاقيا إذا شئت.

نجيب محفوظ
 

 

جيلك وجيلهم

عزيزى الأستاذ نجيب محفوظ:

أحب أن أوجه إليك سؤالا طرحه شاب فى مؤتمر الأدباء الشبان الذى كنت أمينه العام، ولم تتح لك فرصة الجواب عليه لأنك لم تكن موجودا يومها.

السؤال يقول: إن الشبان احتووا مصر بطريقة أفضل بكثير من احتواء جيلكم لها.. فما رأى نجيب محفوظ فى هذا الرأى؟

أتصور أن الإجابة على هذا السؤال تتضمن مناقشة مقارنة من نجيب محفوظ لأدب جيله وأدب جيل الشباب!


رشدى صالح

ماذا يعنى ؟
عزيزى الأستاذ رشدى صالح ..

>> ترى ماذا يعنى صاحبنا الشاب بقوله «احتواء مصر» ؟ .... أى احتواء وأى مصر ؟ لعله يقصد بالاحتواء الفهم والتعبير ، ولعله يقصد بمصر ، مصر اليوم فان صح ظنى فانى لا أختلف معه . إنما يقاس عملنا بتعبيرنا عن مصر الامس ، اما تعبيرنا عن مصر اليوم فهو تعبير المخضرمين المشحونة ابصارهم برواسب الأمس . ولاشك عندى فى ان الشبان أقدر منا فى التعبير عن مصر اليوم والغد غير ان حكم صاحبنا الشاب سابق لأوانه ، لأنه يعقد مقارنة بين جيل قدم عطاءه كاملا ، وجيل بدأ تعبيره بجملة قصص قصيرة أو رواية واحدة ، ولكن ذلك لن يغير فى نظرى من الحقيقة الثابتة وهى أن كل جيل أدبى أقدر على التعبير عن زمانه . ولكل زمان دولة ورجال !

نجيب محفوظ
 

 

 

Advertisements

تطور الرواية بعدك؟

عزيزى الأستاذ نجيب محفوظ :

أنت تمتاز بدرجة عالية من الوعى بفنك وبمراحل تطورك . وقد أرسيت دعائم الواقعية فى الرواية العربية . وارتقيت بها الى ما بعد الواقعية بمعناها الضيق . فكيف تصور دورك بالنسبة لأدب الوطن العربى عامة . وكيف ترى تطور الرواية العربية من بعدك .

ومن بين شباب الكتاب - بدون مجاملة أو إحراج - يمكن أن يعتبر امتدادا حقيقيا لخط نجيب محفوظ .

د . فاطمة موسى


2018-636712638252877729-287.jpg

بدءوا من حيث انتهينا

عزيزتى الدكتورة فاطمة موسى ...

>> كان دور جيلنا من الروائيين - وما زال - تأسيس الفن الروائى وتأصيله فى البيئة العربية . وقد سرنا فى طريق مليء بالعثرات لأننا لم نجد تراثا روائيا نعتمد عليه . سبقنا جيل الرواد ، وقدم كل رائد عملا او عملين ، درسناها بفطرة لا تستند الى علم ، ودون ان نعرف مواقعها من التراث الروائى الضخم الذى كان مجهولا لنا . وقمنا برحلة طويلة ، وارتطمنا بأخطاء بدائية ، وتخبطنا كمن يسير معصوب العينين ، وكان علينا ان نغوص فى واقعنا ، وان ندرس فن الرواية ، وان نؤلف ، فى وقت واحد . وتبين لنا اننا مسبوقون بأجيال وأجيال ، وان تجاربنا تقتضى التعبير بأشكال اعتبرت فى مواطنها بالية ، وان الاشكال الحديثة تمثل رؤى لا تبصرها اعيننا ، ولكننا قمنا بواجبنا على قدر ما نستطيع . و،يتلخص هذا الواجب فى تطويع لغتنا للفن الجديد ، وتمثيل اشكاله المناسبة ، والتعبير عن الشخصية المصرية فى واقعها المتأزم والمتطور معها . قمنا برحلة بدأت من «سكوت» وانتهت عند أبواب «ساروت». ولكن كيف نرى تطور الرواية بعدنا؟ لعل غيرى اقدر على الاجابة . ولكنى استطيع ان اقول انه ليس المهم ادخال شكل جديد الا اذا كان مقرونا برؤيا جديدة . والحق ان الموجودين قد يكونون أخطر من المجددين . وعلى اى حال فالمأمول ان يفيد من بعدنا ، من جهودنا ليبلغوا بالفن منزلة عالمية . لقد قمنا بتأصيل الفن الروائى ، اما الجيل الجديد فسوف يدفع بالرواية العربية الى المستوى العالمى .. وقد شاركنا فى مهمتنا جيل تال لنا ... أما عن الكتاب الشباب فقد قرأت لثلاثة منهم هم : عبد الحكيم قاسم ، ويوسف القعيد وسمير ندا . وقد بدأوا من حيث انتهينا ، اما اين ينتهون فأمر يصعب التنبؤ به ، ولكن الأمل معقود عليهم او على احدهم فى البلوغ بالرواية العربية الى المستوى العالمى .

نجيب محفوظ

 


ألغاز ... وفوازير

عزيزى الأستاذ نجيب محفوظ :

تحولت كتاباتك بعد النكسة إلى ما يشبه الفوازير والأحاجى ... فهل تعتقد أن هذا النوع من الكتابة الملغزة يمكن أن يخدم المرحلة التى يمر بها وطننا ؟

فؤاد دوارة

عزيزى الأستاذ فؤاد دوارة ...

>>> لو صح ان كتاباتى تحولت الى ما يشبه الفوازير والأحاجى بعد النكسة فلربما كان تفسير ذلك ان حياتى - وربما حياة الآخرين - تحولت الى مايشبه الفوازير والأحاجى فى أعقاب النكسة !

وممكن أن اناقش معك مدى ما تنطوى عليه الكتابات المعنية من ألغاز ، أو مدى ما تنطوى عليه من واقعية تكاد ان تكون فوتوغرافية ! ولكنى لا أجد داعيا لذلك ، لسبب بسيط وهو اننى خرجت من تلك المرحلة المظلمة - لا أعادها الله - واننى - وكتاباتى بالتالى - أخذنا نستعيد توازننا .

2018-636712638423222292-322.jpg

المهم أن احاول الاجابة على سؤالك، وهو أهم وأشمل من حال شخصية. هل اعتقد ان هذا النوع الملغز من الكتابة يمكن أن يخدم المرحلة التى يمر بها وطننا؟..

أصل المشكلة ياعزيزى فؤاد ان المرحلة التى يمر بها وطننا تحتاج الى السلاح، الى التضامن، الى الإنتاج، والى الفن الإعلامى السريع الطلقات الذى يمكنه مواكبة المعركة. وهى فى غير حاجة الى الفن الحقيقي، هذه هى الحقيقة. فإذا اصررت بعد ذلك على المطالبة باجابة فإنى أقول انه لا يمكن التنبؤ بمواصفات فن حقيقى قبل تحققه، لا يمكن أن أقول ان المرحلة الراهنة تتطلب كتابة صفتها كيت وكيت، ولكنى انتظر حتى توجد الكتابة الحقيقية حاملة صفاتها الذاتية المناسبة للمرحلة، وقد تكون واضحة كنور الشمس. وقد تكون غامضة كالليل البهيم، ولكنها ستكون هى هى دون غيرها ـ التى ستخدم المرحلة التى نمر بها.

نجيب محفوظ

 

انت ومن بعدك

عزيزى الأستاذ نجيب محفوظ:

عبرت فى كتاباتك عن مصر الثلاثينيات بنفس القدرة الفنية التى تعبر بها الآن عن مصر الستينيات، فكيف تحتفظ على طول المدى بروح المعاصرة.

هل هو التجدد الدائم فى الانفعال وفى الرؤية للأشياء. أو هو هذا بالإضافة الى استيعاب دائم للأساليب الجديدة فى التعبير عالميا ومحليا، تلك الأساليب التى تعكس دائما وأبدا رؤية جديدة للأشياء.

وان كان الاحتمال الثانى صحيحا فإلى أى مدى استفدت وتستفيد فى هذا الاتجاه من الأجيال اللاحقة من القصصيين المصريين؟

د. لطيفة الزيات


2018-636712638560394960-39.jpg

عزيزتى الدكتورة لطيفة الزيات..

>> اعترف لك بأننى لست معاصرا إلا فى النطاق المحلى ومع بعض التحفظات. انى قاريء لا بأس به، أتابع خلاصات العلم الحديث والفلسفات الحديثة، ولكن قدرة العقل على التكيف تفوق قدرة الشخص ككل. وقد كاد عصر الاقطاع يحولنا الى «أشياء»، والصناعة الحديثة بدورها حولت الإنسان الغربى فيما يقال الى شيء أيضا ولكن ما أبعد الهوة بين هذا الشيء وذاك.. أما قصتى مع الأساليب الفنية فإننى أرى فيها نبض تجربتى الشخصية. وأختارها أو هى تختارنى بحسب الأحوال والمقامات. وأذكر الآن اننى كتبت زقاق المدق بالطريقة التى كتبتها بها وأنا على علم بجويس وكافكا وبروست ، وكان النقد يوجه الى فى كازينو أوبرا ـ من الأستاذين بدر الديب ويوسف الشارونى بأننى اكتب بأسلوب القرن التاسع عشر ولكنى وجدت الشجاعة ان أكتب الثلاثية بنفس الأسلوب لشعورى بأنه المناسب للتجربة التى أقدمها..بعد ذلك تغير ذلك الشعور. لم يعد يهمنى الفرد كفرد له خواصه فى زمان معين ومكان محدد، ولكن جعلت أبحث فيه عن الانسان فى موقف ما. ودون تردد وجدتنى انتقل الى أسلوب جديد مناسب سواء فى القصة القصيرة أو المتوسطة.

حققت فى عام 1959 وما بعدها ما طالبنى به الديب والشارونى فى الأربعينيات وأبيته، ولكن لأسباب ذاتية جوهرية غير مجرد الاطلاع والثقافة.

ونحن فى الأساليب مسبوقون كما تعلمين، ولذلك لم أجد مناسبة للأخذ من الأجيال اللاحقة أو المعاصرة لى مادمت أستقى من النبع الذى منه يستقون. والحق أن الحظ لم يسعدنى بالتعرف على جيل الشباب الا قبيل النكسة، بعد أن أنجزت كل أعمالي. ولا أقول ذلك ترفعا، فإننى على استعداد طيب للافادة من أى زميل مهما يكن عمره لو أحدث فى الفن جديدا وجدت فيه إشباعا لحاجة أبحث لها عن شكل مفتقد. وثابت اننى ملت الى تجربة الأساليب الحديثة بدءا من عام 1959 قبل أن يشرع أغلب الشبان الجدد فى نشر شيء من أعمالهم.. هذه حقيقة لن تقلل من مجهود الشباب الذى احترمه وأعجب به، كما ينبغى الاعتراف أيضا بأن كثيرين منهم يجربون أساليب لم اقترب ـ وربما لن اقترب ـ منها على الإطلاق.

نجيب محفوظ

مشكلة بلا حل

عزيزي الأستاذ نجيب محفوظ:

هل هناك أمل في أن تتجاوز الرواية المصرية الحدود الإقليمية ما لم تحل مشكلة اللغة الفصحى كأداة للتعبير الفنى؟.. مزيد من الوضوح حول سؤالي.. أقصد هل يوجد حل لمشكلة الازدواج اللغوي التي تشوب حياتنا الثقافية. انني أوجه سؤالي من موقع التشاؤم.. والإيمان بأنها مشكلة بلا حل!

د. لويس عوض

2018-636712638783258802-325.jpg

عزيزي الدكتور لويس عوض..

>> أعتقد ان الازدواج اللغوي ظاهرة عامة في جميع اللغات، فما يقتضيه . الفكر من تعبير تحليلي وتفسيري مختلف جدا عما تقتضيه الحياة اليومية من اقتصاد في التعبير واعداد له بحيث يعبر تعبيرا عمليا يلبي مطالب الحياة القومية

ولقد كان الادب يكتب بلغة الشعر، مسرحا وحكايات وملاحم، وباعد ذلك بين اللغتين وأكد الازدواجية ولكنه لم يقلل من عبقرية التعبير الفني. وما اكثر الذين يكتبون حوارهم بلغة الحياة اليومية ومنهم من يكتب النص والحوار بها متجاوزا بذلك مشكلة الازدواج فهل بلغوا العالمية؟.. الحق انهم فقدوا العالمية «المحلية» التي تتضمنها اللغة الفصحي بين البلاد العربية ولم يصلوا الي عالمية العالم. اني لا أعتبر هذه الازدواجية مشكلة. فهي طبيعية، بل هي تعبير صادق عن ازدواجية في شخصية الفرد بل توجد عادة بين حياته اليومية وحياته الروحية

نجيب محفوظ

 

 

سر انتقالك للمسرح

عزيزى الأستاذ نجيب محفوظ:

إنك الآن، ومنذ تحت المظلة، تنتقل الى المسرح، تغزوه، تمد ظلك عليه.

والسؤال هو: هل تم هذا الانتقال بطريقة ميكانيكية بحتة لأن الموضة هى المسرح ولان الجمهور قد انتقل الى المسرح فأصبح على الكاتب الذى يريد ان يحتفظ بشعبيته أن ينتقل الى حيث انتقل الجمهور؟ أو أنك شعرت ان المسرح هو وسيلة التعبير الملائمة لانفعالك الداخلى الآن، بحيث تجب سائر وسائل التعبير الآخري؟ نريد أن نعرف بالضبط قصة اختيارك للمسرح. وولوجك ميدانه!

معين بسيسو


2018-636712638965557992-555.jpg

عنبر لولو

عزيزى الشاعر الفنان معين بسيسو..

>>الحق أنى وجدت نفسى على باب المسرح. والظاهر أن انفعالاتى الاخيرة وجدت فى الحوار خير معبر عنها. لذلك طغى الحوار على السرد والوصف فى القصص ابتداء من «اولاد حارتنا» حتى كاد يستأثر بها فى «ثرثرة فوق النيل» و«ميرامار» وبعض القصص القصيرة. وكانت المسرحيات الخمس القصيرة هى النتيجة الطبيعية لذلك، ولكن المسرح حياة قائمة بذاتها، لها تربيتها الخاصة وذوقها الخاص وحاستها الجماهيرية المحددة، فليس المسرح تعبيرا بالحوار. ولذلك لا أعتقد اننى تحولت الى المسرح، ولا أنه يمكن أن يكون وسيلتى التعبيرية المفضلة. ولذلك ايضا اعتقد اننى اهتديت الى شكل يوفق بين القصة من ناحية والحوار من ناحية اخري، وانه يحقق لى الرضا التعبيرى المنشود، وقد نشرت قصة قصيرة بهذا الشكل فى الأهرام، هى «عنبر لولو» كما كتبت به قصصا أخرى أرجو أن أتمكن من نشرها قريبا.

نجيب محفوظ

 


ترجمة ذاتية صادقة

عزيزى الأستاذ نجيب محفوظ:

ألم تفكر فى كتابة سيرة لإحدى رواياتك تؤرخ لفكرتها ومراحل تطورها كما فعل توماس مان عن كتابه «دكتور فاوست».. ثم ألم تفكر فى كتابة ترجمة ذاتية صادقة وشاملة بالرغم مما قد تمسه من موضوعات حساسة؟

د. مصطفى سويف


2018-636712639115751445-575.jpg

عزيزى الدكتور مصطفى سويف..

>>الحق أن كتابة سيرة لإحدى رواياتى لم تخطر لى ببال. وللأسف لم اقرأ دكتور فاوست بالرغم من حبى القديم لتوماس مان. بل إنى لا أتصور كيف يمكن كتابة سيرة لرواية فى شكل رواية جديدة فلعلى أستطيع أن احصل على نسخة من دكتور فاوست لأدرسها وأفكر من جديد فى اقتراحك..

اما فكرة السيرة الذاتية فهى تراودنى من حين لآخر. أحيانا تراودنى كسيرة ذاتية بحتة وأخرى تراودنى كسيرة ذاتية روائية. ولكن الالتزام بالحقيقة مطلب خطير ومغامرة جنونية وبخاصة وأننى عايشت فترة انتقال طويلة تخلخلت فيها القيم وغلب الزيف وانقسم فيها كل فرد الى اثنين، احدهما اجتماعى تليفزيونى والآخر ينفث حياة أخرى فى الظلام. ياعزيزى الدكتور..

أنا أفكر إذن فأنا غير موجود.

نجيب محفوظ

 

 

رابط دائم: 

Advertisements

Advertisements