أهم الاخبار

هوامش على دفتر علاقة المشير والشيخ

جدل دائر وبخار مكتوم بين الرئاسة المصرية وشيخ الأزهر؛ تجاوز حدود سوء الفهم، واختلط فيه الديني والثقافي بالسياسي والرسمي، ووظيفة الرئاسة في الدولة المعاصرة؛ متعددة ومتنوعة ومتداخلة، وبجانب سلطات الدولة المتعارف عليها؛ سلطة تنفيذية، وثانية تشريعية، وثالثة قضائية، والمفترض فيها إنها سلطات مستقلة، وهناك هيئات ومؤسسات أخرى مركزية تُمَارِس عملها دون تمييز، وبلا تفرقة، والسلطة التنفيذية يمثلها رئيس الجمهورية، ويتوازى معها مجلس نواب يمارس سلطة التشريع والرقابة، بجانب دور منظومة العدالة؛ بتنوعها ودرجاتها، وتختزل في السلطة القضائية؛ يحدد الدستور طبيعة هذا الاستقلال وحدوده ودرجاته، أما وضع الأزهر واستقلاله فيحتاج إلى توضيح واستجلاء.
والأزهر تاريخيا مدين بوجوده ونشأته للدولة، ولم ينشئ نفسه بنفسه، وقد اختص من وقتها بالشؤون الإسلامية، واستقر دوره طوال حكم الدولة المنشئة على الترويج والدعوة لمذهبها (الفاطمي)، وحين اختفت تلك الدولة حلت محلها دولة أخرى بمذهب مخالف، وتبع ذلك فقدان الأزهر لمكانته وتلاشى دوره، وغياب طال لمدة ثلاثة قرون، وتعطل حتى أعيد على يد المماليك، وعاد إلى وظيفته التقليدية؛ الترويج والدعوة لمذهب الدولة الجديدة (السني)، وأتت الفرصة سلطة الحكم، مع تطورها لـ«سلطة تنفيذية» ومؤسسات متشعبة زادت من تعقيدات الحياة بشكل عام، وعمدت إلى احتواء الأزهر، وقد أضحى مصدرا لشرعية دينية واجتماعية، وامتدت الهيمنة إليه باستثناء فترات محدودة في التاريخ الحديث، تَعزَّز فيها استقلال الأزهر النسبي.
ويسعى قطاع عريض من رجال الأزهر والمثقفين وأهل الاستنارة من خارج الأزهر؛ يسعون إلى استقلاله، وتأكيد نظرية تقسيم العمل، وفعالية نظام التخصص، وكان ذلك مطلوبا، فوُضِعت له ضمانات دستورية وقانونية وسياسية تؤكده، وغالبا ما يتم العصف بها، والعصف بضمانات مماثلة للهيئات ولأجهزة المركزية والسيادية، مثل الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، والجهاز المركزي للمحاسبة، والأخير تفجرت بشأنه أزمة تركت أثارها وبصماتها على أوضاع الهيئات والمؤسسات وتهدد مستقبلها؛ ومن أجل عزل رئيس هذا الجهاز أُلغيت نصوص الدستور والقانون المانعة للعزل، وأيدت محكمة الطعون العسكرية في آذار- مارس 2019؛ أيدت الحكم على رئيسه بخمس سنوات في قضية «التصريحات المسيئة»(!!)، وكان يقضي حكما بالسجن خمس سنوات بدأت في نيسان- إبريل 2018، الصادر من المحكمة العسكرية(!!)
واستقلال الأزهر لا يعني الفصل أو الانفصال، ويقوم بوظائف معروفة، وأدوار محددة، ومهام مقننة. والمشكلة نشأت من الرغبة الجامحة من الشخصيتين المتنازعتين، فالأولى هي رئيس الدولة؛ «المشير السيسي»، ويستمد سلطته من صلاحيات منحتها له أعلى رتب المؤسسة العسكرية، ويقابلها في الرتب العسكرية الغربية «فيلد مارشال»؛ أي القائد الذي حقق نصرا كبيرا، وهو شيء لم يختبر بعد في مصر، وتلازمه رتبته العسكرية العليا في تصرفاته وأسلوب إدارته لدولاب الدولة، وعسكرة جل المهام والمسؤوليات المدنية.
ولعب المنبت والنشأة دورا في تكوين الشخصية الأولى، فالوالد منوفي؛ امتهن تجارة الحبوب ،وتزوج من امرأتين، وأنجب 11 ابنا بينهم عبد الفتاح السيسي و10 أخوة آخرين؛ ولديه بنت و3 أولاد، وتشرَّب روح أسرته في تصنيع وتجارة العاديات، وتقليد التماثيل والتحف الأثرية وعرضها للبيع بمنطقة خان الخليلي في حي الحسين الشهير، الجاذب للسياحة والسياح. وانتقل مباشرة من المدرسة الإعدادية إلى المدرسة الثانوية العسكرية، ولم يسعفه حظه للتأهيل التعليمي المدني، ولم يتمكن من الاطلاع على ما يكفي من المقررات التعليمية اللازمة، ولم يتمكن من تعويض ما فاته في التعليم الثانوي العام.
تخرج في الكلية الحربية عام 1977، وخدم في سلاح المشاة، ووصل إلى قائد المنطقة الشمالية العسكرية، وقد أعاره مبارك للسعودية، وأوفده للدراسة العسكرية في أمريكا، وأعاره للسعودية كملحق عسكري، وعينه بعدها مديرا لمخابراته، ووصل لمنصب مدير المخابرات الحربية والاستطلاع، وشغل بعد ذلك منصب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع 2012 واستقال عام 2014 للترشح لرئاسة الجمهورية، وبدأت ولايته الرئاسية الأولى لمدة أربع سنوات في 8 حزيران- يونيو 2014، بينما أدى اليمين الدستورية لولايته الثانية في 2 يونيو 2018.

الخلاف بين الشيخ الحساني والمشير السيسي بلا أفق، وأقرب لتأكيد العصبية العسكرية، مقابل العصبية الصوفية، وابتعد الطرفان عن الالتزام الحقيقي باستقلال السلطات والهيئات المركزية والسيادية، التي أضحت تابعة تبعية مباشرة لرئيس الجمهورية

والتحاق «المشير السيسي» بالسلك العسكري منذ طفولته طبع حياته وتصرفاته مع البشر والأفكار، ومالت شخصيته ميلا فطريا إلى المركزية والتحكم والضبط والربط، وفق معادلة غلبها في تعامله مع الأصدقاء والمخالفين وهي؛ «التأديب والانتقام والتضييق»، وطبعت الشخصنة تصرفاته وأعماله ومشروعاته، وقد تكون هذه اللمحات كافية لاكتشاف مغاليق مهمة في فهم شخصية «المشير»، وتساعد على التنبؤ بتصرفاته وسلوكه وقراراته.
والواقف على الضفة الأخرى في مواجهته؟ هو شيخ الأزهر؛ أحمد الطيب الحساني، ذو نشأة صعيدية، فهو من مواليد قرية القُرْنَة بمحافظة الأقصر في جنوب مصر، ونشأ في بيت صوفي، احتضن «الطريقة الخلواتية الحسانية»، وتولت أسرته رعايتها، وإدارة شئونها، وتوارثت هذه المهام جيلا بعد جيل، وتولى الشيخ الحساني شؤون الطريقة، لكنه تركها لأخيه الشيخ محمد بعد تعيينه شيخا للأزهر. والشيخ أحمد التحق في طفولته وصباه بالتعليم الأزهري في مرحلتيه الإعدادية والثانوية، وبعدهما التحق بكلية أصول الدين، قسم العقيدة والفلسفة، وتخرج منها عام 1969، ونال الماجستير عام 1971، والدكتوراه عام 1977، ثم انتقل إلى الدراسة في فرنسا، وأجاد اللغتين الفرنسية والانكليزية.
تدرج الشيخ الحساني في جميع المناصب الأزهرية والإسلامية؛ شغل منصب مفتي مصر عام 2002 حتى 2003، ورأس جامعة الأزهر حتى 2010؛ تاريخ تعيينه شيخا للأزهر، ولم يمض على تعيينه في منصبه الأزهري الرفيع أكثر من تسعة أشهر حتى اندلعت ثورة يناير 2011، فأطاحت بمبارك بعد 18 يوما من الاحتجاجات والمظاهرات المستمرة، ومال الشيخ خلالها بالأزهر إلى الاتجاه الرسمي آنذاك، وأفتى بحُرمة المظاهرات ووصفها بالدعوة للفوضى: «المظاهرات حرام لأنها خروج عن الحاكم، فالموجودون في الميادين الآن خانوا الوطن والدين الإسلامي»(!!).
ومع وقوع ما عُرف بـ«موقعة الجمل» في 2 فبراير 2011، أعرب الطيب عن أسفه الشديد للصدامات، وشدد على ضرورة التوقف فورا عن العصبية الغاشمة، وكرر دعوته لشباب المتظاهرين إلى التحاور، وبعد أن أعلن مبارك نقل سلطاته إلى نائبه اللواء عمر سليمان، حذر الطيب من استمرار المظاهرات التي أصبحت محرمة شرعا؛ بعد انتهاء النظام الحاكم، وتحقيق مطالب الشباب، ومن ثم زال المبرر الشرعي للتظاهر، بحسب وصفه!!
وساند الشيخ الطيب الحساني دعوات التظاهر في ميادين مصر في 30 يونيو 2013، والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، وشارك في إعلان بيان العزل الذي تلاه وزير الدفاع آنذاك؛ الفريق عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو 2013 «عملا بقانون الشرع الإسلامي القائل إن ارتكاب أخف الضررين واجب شرعي، وخروجا من هذا المأزق السياسي الذي وقع فيه الشعب المصري، بين مؤيد للنظام الحالي ومعارض لاستمراره، ولا يريد أحد أن يتزحزح عن قراره، فإنني أؤيد قرار إجراء انتخابات رئاسية مبكرة».
وقد تلخص مثل هذه المواقف المعلنة للشيخ الحساني، وأنا موقن بأن دعوته لاستقلال الأزهر حق أريد به باطل؛ اختزل الاستقلال في تحصين منصبه، وعدم عزله، وليس استقلال المؤسسة الدينية بمعناه الواسع، وقد وقع في خطيئة التكفير، وتصريحه عن عبد الناصر وعدائه للإسلام من الكبائر، متناسيا دور الأزهر، الذي عاش أزهى عصوره في الخمسينيات والستينيات، وقدم أجل الأعمال في عهد أبرز مشايخ الأزهر محمود شلتوت؛ في سعيه الخالص للتقريب بين المذاهب الإسلامية، والتخفيف من وطأة العداوات الإسلامية الإسلامية والفتن التي عملت عليها فرق إسلامية متطرفة.
والنتيجة.. خلاف من هذا النوع بين الشيخ الحساني والمشير السيسي بلا أفق، وأقرب لتأكيد العصبية العسكرية، مقابل العصبية الصوفية، وابتعد الطرفان عن الالتزام الحقيقي باستقلال السلطات والهيئات المركزية والسيادية، التي أضحت تابعة تبعية مباشرة لرئيس الجمهورية، وانتهى استقلال القضاء، وضاع استقلال السلطة التشريعية، وتحولت لإدارة قانونية وقضائية تابعة لرئيس الجمهورية، وهكذا مع باقي السلطات والهيئات المركزية العليا، ودون ذلك من الصعب أن يكون هناك استقلال يحقق توازنا مطلوبا بين سلطات الدولة ومؤسساتها؛ ومنها مؤسسة الأزهر.

عرضنا لكم زوارنا أهم وأحدث التفاصيل عن خبر هوامش على دفتر علاقة المشير والشيخ على دوت الخليج فى هذا المقال ونتمى بأننا قد قدمنا لكم كافة التفاصيل بشكل واضح وبمزيد من المصداقية والشفافية واذا اردتكم متابعة المزيد من اخبارنا اول بأول يمكنكم الاشتراك معنا مجانا عن طريق نظام التنبيهات الخاص بنا على متصفحكم او عبر الانضمام الى القائمة البريدية ونحن نتشوف بامدادكم بكل ما هو جديد.

كما ينبغي علينا بان نذكر لكم بأن محتوى هذا الخبر منشور بالفعل على موقع القدس العربي وربما قد قام فريق التحرير في دوت الخليج بالتاكد منه وربما تم التعديل علية اوالاقتباس منه وربما قد يكون تم نقله بالكامل ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

قد تقرأ أيضا