الارشيف / مصر

الزراعة المصرية تنتظر تداعيات سد النهضة.. والإعلام ممنوع من الحديث

Advertisements

بعد فشل جميع جولات المباحثات الثلاثية بين مصر والسودان وأثيوبيا، حول بناء سد النهضة، أصبح المزارعون والمواطنون بشكل عام أمام بلاء ينتظرون وقوعه، لأن القيادة السياسية لم تستطع أن تجد حلولًا لمواجهة هذه الكارثة، كما يبدو أنها لم تعطها الاهتمام المطلوب بعد أن فشلت المفاوضات وتركت الشعب وحيدًا منتظرًا أن تشح المياه ويتقلص حجم الأراضي الزراعية للنصف.

الحديث في هذا الملف في الاعلام المصري، المرئي والمقروء، تسبب في إحراج للنظام مما دفعه لتوجيه تحذيرات شديدة اللهجة للصحف المصرية بعدم الكتابة عنه، كما توجهت البرامج الشهيرة في مصر إلى تناول الموضوع من جانب مختلف، وأصبح النقاش حول كيفية ترشيد مياه الري وإيجاد حلول حديثة للزراعة والبذور الجيدة قليلة الاستهلاك للمياه، بدلًا من نقد تخاذل وفشل الحكومة والوزارات المعنية، فمحاولة الاعلام تحويل مسار الحديث حول سد النهضة هو بمثابة مشاركة حقيقية في التفريط في مياه نهر النيل، بالإضافة لكون هذا الملف تحديدًا من العلامات البارزة المؤكدة على نفاق الإعلام المصري، فشتان الفرق بين تناول هذا الملف في عهد الرئيس د.محمد مرسي وفي عهد السيسي.

الجدير بالذكر أن السعودية وإسرائيل تدعمان سد النهضة وتستثمران فيه للحصول على أراضي محيطة به للاستصلاح الزراعي، واستغلال الكهرباء التي سيولدها السد للتصدير، كمشاريع قومية طويلة الأجل لكلا البلدين، والجدير بالذكر أيضًا أن العلاقات بين مصر وكلا من إسرائيل والسعودية في أوجها، والزيارات بين البلدين متواصلة منذ اعتلاء السيسي سدة الحكم، وربما قبل ذلك، ورغم تلك العلاقة الدافئة بين السيسي مع حكام السعودية وإسرائيل إلا أنه فشل حتى الآن في إقناعهما بالتراجع والتوقف عن دعم مشروع سد النهضة.

أمر واقع

تشير التقارير الدولية أن الحكومة المصرية أصبحت تتعامل مع السد كأمر واقع، كما أن محاولاتها مع السعودية وإسرائيل وجميع الدول الداعمه انتهت بالفشل، فأصبح الاتجاه الآن حول مد فترة ملئ خزانات سد النهضة، لتصبح 10 سنوات بدلًا من 3 سنوات، لأن قصر المدة سيؤدي لكوارث في مصر، وأكد ذلك الباحث الأمريكي كيفن ويلر، من جامعة أكسفورد، أنه من الناحية الفنية يُمكن لإثيوبيا أن تملأ خزان السد في غضون 3 أعوام، لكن من الأفضل لمصر أن تستغرق العملية وقتًا أطول يصل إلى حوالي 10 أعوام، حتى يقل الضرر، كما يُحذّر ويلر من تعرّض الأراضي المصرية إلى الجفاف حتى لو جرت عملية ملء الخزان ببطء.

وأشار رفعت أحمد، رئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث، أن بناء السد يعني أن إثيوبيا وبتواطؤ واضح مع السودان قرّرتا التسويف والمُماطلة إلى حد إجبار مصر على الخضوع وفرض الشروط المائية عليها والتي تعني تقليص كامل حصتها المائية، وهو الأمر الذي سيؤدّي إلى مجاعة لعدة ملايين من سكان مصر مع تبوير لملايين أخرى من الأفدنة، كما أن هناك صمت غير نبيل من قبل مسؤولينا المصريين على الأدوار العربية المتؤاطئة مع إثيوبيا في إكمال هذه الجريمة، وأخصّ بالذكر والاتهام الموثّق والمباشر كلاً من السعودية وإسرائيل، للأسف لا أحد في مصر تحرك وأخشى أن يستمر مسؤولونا الصمت ثم يفاجوا بالكارثة القادمة قبل أن يتحركوا بشكل جدي، والجدية هنا تعني بالنسبة لنا العمل السياسي بل والعسكري إن تطلّب الأمر فهذا أمننا القومي يتعرض للطعن في أحد أهم مكوناته، وهو الأمن المائي.

 

آثار السد على مصر والمصريين

من المتوقع انتهاء عمليات البناء نهاية العام الجاري، ووفقًا لتوقعات الأمم المتحدة فإن مصر ستواجه نقصًا في حصتها من مياه النيل والمقررة ب55 مليار متر مكعب، بنسبة 25%،  وتنخفض النسبة مباشرة بمجرد البدء في ملء خزانات المياه لهذا السد، وقد بدأت بالفعل في يوليو 2017 لتصل إلى ما قيمته 18 مليار متر مكعب، الأمر الذي يُهدّد قرابة 5 ملايين فدان مصري بالبوار، مع انخفاض في توليد الطاقة والكهرباء من السدّ العالي بما قيمته (4500 جيجاوات) أي بما يعادل 37% مع حدوث عجز كلي في توليد الكهرباء ليصل إلى 41 عاماً مع آثار أخرى أشد خطراً.

 

كما من المتوقع أن يتسبب السد في تبوير 4.6 ملايين فدان أي أكثر من 51.5% من الرقعة الزراعية الحالية، وسيكون أراضي محافظات شمال الدلتا الأكثر تأثرًا، وسوف تتضرّر الأراضي القديمة بشكل أكبر من الأراضي الجديدة، نظراً لأن الأولى تستخدم طريقة الري بالغمر والثانية تستخدم طُرق الري الحديثة، كما أن النقص الناشىء عن نقص المياه في منطقة معينة إما يأخذ صورة تبوير كامل للأرض الزراعية وهذا يمكن أن يحدث في حال الانقطاع الكامل للمياه، أو يأخذ صورة تبوير جزئي للأرض الزراعية كأن تُزرَع شتاء ولا تُزرَع صيفاً. وهناك صورة ثالثة أن تتم زراعة الأرض زراعة كاملة ولكن المحاصيل لا تحصل على كامل احتياجاتها المائية ما يؤثّر سلباً على الإنتاجية الفدانية.

 

أما بالنسبة إلى الإنتاجية الزراعية وتأثيرات سدّ النهضة عليها فيتوقّع أن تنخفض في المُجمل إذا كان الناتج المحلي الإجمالي حالياً يبلغ 250 مليار جنيه مصري، فإن قيمة الفقد في الإنتاج الزراعي تتراوح ما بين 42 و 80 مليار جنيه في السيناريوهين الأفضل والأسوأ على الترتيب. أما في ظلّ السيناريو الأكثر سوءاً فينخفض الناتج الزراعي إلى النصف، ويتوقّع أن تتفاقم الفجوة الغذائية وتتجّه إلى الاتّساع بشكل جوهري نظراً لأن محاصيل الحبوب وهي عصب الأمن الغذائي سوف تتأثّر سلباً بدرجة أكبر بالمقارنة للزروع البستانية، وتتركز محاصيل الحبوب في منطقة الدلتا التي ستضرر أكثر من غيرها من المناطق الزراعية.

Advertisements

 

ويرى كارل هينيت خبير إدارة المياه فى الحكومة الهولندية، أنه فيما يتعلق بالآثار الاقتصادية والاجتماعية فإن الأثر الأكبر سيكون على الإنتاج الزراعي الذي سوف ينخفض بما يعادل ٤٢ مليار دولار خلال فترة التخزين والتى تعادل ٨٠ مليار متر مكعب هي حجم تخزين مياه سد النهضة وما يشمل ذلك من تسرب فى باطن الأرض والبخر، مشيرا إلى أن البطالة سوف تزداد بما ينعكس بالسلب على الشعب المصري.

 

السيسي وفخ التعديلات الدستورية

 

من جهته يرى محمد برغش، أحد قيادات المزارعين في مصر، أن تعديلات قانون الزراعة وإدخال عقوبة الحبس فيها، ستتسبب في خفض نسبة الأراضي الزراعية بشكل كبير، وأولها مساحة التخفيض المقدرة بنحو 250 ألف فدان، وثانيها مساحة الزراعة بالمخالفة المقدرة بحوالي مليون فدان.

وحذر من أن هذا الخفض سيُضر بالمزارعين، وكان الأولى قبل تعديل القانون إجراء حوار مع أهل القطاع، وهم أول الحريصين على تأمين غذاء المصريين، وكان يجب توفير محصول بديل تضمن الدولة تسويقه بسعر عادل للمزارعين قبل زراعته من الآن.

 

من جهته أكد رجب شحاتة رئيس شعبة الأرز في اتحاد الصناعات المصرية، أن بلاده لديها هذا العام مليون طن فائض من الأرز، ولن تكون هناك أزمة قريبة، لكنه أشار إلى أنه في حال تقليص المساحات فعليا، ستكون زيادة سعر الأرز حتمية، حيث ستلجأ الدولة إلى الاستيراد.

 

الجدير بالذكر أنه في الوقت الذي تواجه وتحارب فيه الحكومة الزراعة بمختلف الأدوات والطرق، هناك 40 ألف فدان من ملاعب الجولف فى مصر، والتى تستهلك نحو 600 مليون متر مكعب مياه، إذ تبلغ مساحة الملعب الواحد 100 فدان، وكمية المياه التى يستهلكها تكفى لرى 10 أفدنة من المحاصيل الزراعية، رغم أن نسبة لاعبي الجولف في مصر حوالي  2000 لاعب فقط منهم 1400 من الأجانب بالإضافة إلى آلاف حمامات السباحة الموجودة داخل الفيلات والمنتجعات السياحية، وثلاثة آلاف بحيرة صناعية بمساحة 159 فداناً تستهلك سنوياً أكثر من 1.62 مليار متر مكعب من المياه، لكن الحكومة تغض الطرف عن هذه الرفاهيات وتحارب الزراعة التي تعد أمن قومي يجب الحفاظ عليه وربما القتال من أجله.

 

Advertisements

Advertisements

قد تقرأ أيضا