الارشيف / ثقافة وفن

ثلاثية نجيب محفوظ.. سيرة للذات والقاهرة والوطن

ملخص

كُتبت الثلاثية على شكل قصة واحدة طويلة، قُسمت لـ3 أجزاء، وهي: "بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية"، وتظل العمل الأدبي الأقرب إلى المثالية، والأهم في الأدب العربي.

في الحادي عشر من ديسمبر عام 1911، بينما يتساقط المطر في شوارع القاهرة، وحالة من الجدل ما زالت قائمة بين جموع الشعب بعد وفاة الزعيم أحمد عرابي، حيث لم يكن مضى على رحيله سوى أربعين يومًا؛ كان عبد العزيز إبراهيم أفندي، القاطن بحي الجمالية، يتابع حالة الولادة المُتعثرة لمولوده الأخير، لحظات صعبة دفعه فيها الخوف أن يخرج عن تقاليد مجتمعه، فاستدعى لزوجته الطبيب الأشهر وقتها "نجيب باشا محفوظ"، الذي بدوره أنقذ حياة الزوجة والطفل، ما جعل الوالد يُطلق اسم الطبيب النجيب على مولوده.. اسمًا مركبًا "نجيب محفوظ".

لم يكن يعلم الوالد الأفندي أن هذا الطفل سيعيش عمرًا مديدًا يزيد على التسعين عامًا، وسيكتُب أدبًا وقصصًا، ويحكي الكثير من الحكايات، ويُؤلف أكثر من 50 رواية ليُصبح عبرها رائدًا للرواية العربية، ويحصل على أعلى جائزة أدبية في العالم، وهي نوبل عام 1988.. ورغم كل إنجازات النجيب التي ستظل خالدة، إلا أن "الثلاثية" تبقى العمل الأدبي الأقرب إلى المثالية، والأهم في الأدب العربي، وواحدة من التحف الأدبية العالمية.

الثلاثية كُتبت جميعها على شكل قصة واحدة طويلة، قُسمت لـ3 أجزاء، وهي "بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية"، صادرة بين عامي 1956 و1957، جميعهم يرصدون رحلة البطل الرئيسي السيد "أحمد عبد الجواد" وعائلته، وقد استوحى محفوظ عناوين الروايات الثلاث من أسماء شوارع رئيسية شهيرة في مدينة القاهرة، وهي ذات المناطق التي عاش بها الأديب في مرحلة الطفولة.

أحمد عبد الجواد هو ذلك الرجل المستبد، الذي يحكم قبضته على زوجته وأولاده، هو الأب القاسي والزوج الديكتاتور، والعربيد المرح وصاحب اللسان اللذع في تأليف النكات والقفشات مع أصحابه، فهو في بيته رجل ملتزم تقي محافظ على الصلوات، ويمتلئ قلبه بالإيمان والخشوع، أما خارج البيت فهو رجل الأنس والفرفشة، وزوجته أمينة، تلك الزوجة المطيعة لزوجها فهي لا ترد له أمر، لا يشغل بالها سوى إرضائه.

أبناؤه "ياسين، فهمي، كمال، عائشة، خديجة"، لكل واحد منهم عالمه الخاص رغم البيت الذي يجمعهم، الأول هو أكبر الأبناء واكتسب من أبيه حب الحياة والمرح، يتزوج أكثر من مرة خلال الرواية، والثاني طالب جامعي ثائر يحلم بمجتمع مثالي، والثالث من أصحاب الحظ الأوفر التي تتحدث عنها الرواية، وامتازت شخصيته بطابع فلسفي سواء في تفكيره أو حواره مع نفسه والآخرين، أما "عائشة"، فهي فتاة جميلة لا تهتم إلا بزينتها، طائعة لزوجها وحماتها، و"خديجة" ربة بيت من الطراز الأول مثل والدتها، إلا أنها كانت حادة الطباع مع زوجها وحماتها، وتزوجتا في بيت واحد بعد زواج كل منهن من أخين شقيقين.

وفي الجزء الأخير المعنون "السكرية"، يبدأ محفوظ في ختام روايته، وختام شخصياته، فيتجرع القارئ الأحزان على فراقها ويتألم لما يعايشه من أحداث، ويعكس الأوجه السياسية للتيارات التي كانت سائدة آنذاك بقوة، ويترك ملاحظة أخيرة عبّر خلالها عن خلاصته الفكرية في حديث الشاب "أحمد" الشيوعي "ابن خديجة" مع خاله حيث يقول: "إنني أؤمن بالحياة وبالناس، وأرى نفسى مُلزمًا باتباع مُثلهم العليا ما دُمت أعتقد أنها الحق، إذ النكوص عن ذلك جبن وهروب، كما أرى نفسي مُلزمًا بالثورة على مثلهم ما اعتقدت أنها باطل إذ النكوص عن ذلك خيانة".

ويقول الناقد الأدبي الدكتور محمد بدوي، إن محفوظ نقل حياة طفولته إلى الثلاثية، حيث اعترف أنه "كمال" الحقيقي، بطل ملحمة الثلاثية، والتي استمر في كتابتها لـ6 أعوام وانتهى منها قبل اندلاع ثورة 52، ذلك الشاب المتدين المتعلم والذي يقع في الخطأ، بينما يُجزّم زكي سالم، أن "محفوظ" هو بطل الثلاثية الحقيقي، وعبّر من خلالها عن آماله وآلامه في صغره وشبابه، ويؤكد حازم حسني أنها كانت بمثابة إسقاطات على واقعه الشخصي، وتجربة "أمينة" هي رحلة والدته في الواقع.

ومن أهم ما ميّز الثلاثية، أن دراسة التاريخ تمتزج بالمتعة الفنية بوضوح على صفحاتها، وحرص من خلالها محفوظ على رصد الأحداث التاريخية البارزة التي مرت على البلاد في الزمن الذي تدور به أحداث الرواية منذ 1917 وحتى ثورة 52، بما في ذلك من تأثيرات سياسية واقتصادية واجتماعية.

من أبرز العوامل التي ميزت الثلاثية أيضًا، أن البناء الدرامي الخاص بها لم يعتمد على نمط الصراع الصريح والعلني بين الشخصيات المختلفة، على الرغم من اعتماده عليه في أعمال أخرى عديدة مثل "أولاد حارتنا" و"الحرافيش"، كما أن الكوميديا حاضرة بقوة بين صفحات الثلاثية، ولعبت دورًا بارزًا في كسر حِدة الأحداث المتلاحقة، كما أنها جاءت معبرة عن الطابع المصري الأصيل الذي يميل دائمًا إلى النكات الصارخة.

وركزت الثلاثية بدرجة أكبر على النمط الإنساني والصراعات الداخلية والتناقضات التي تعاني منها مختلف شخصيات الرواية، كما أبرزت أساليب القهر واستبداد قوات الاحتلال الإنجليزي بالشعب المصري، وكذلك الاستبداد الإنساني من خلال "سي السيد" وزوجته "أمينة" المسكينة المغلوبة على أمرها، والتي تجمع بينهما علاقة غير متجانسة أو متكافئة.

وترصد الثلاثية أيضًا ببراعة شديدة التحول الاجتماعي في مصر، وتتناول حال النساء من البرقع والحياة المنغلقة حتى الخروج للحياة العامة والتعليم، ممثلة في شخصية "أمينة" التي بدأت الثلاثية خاضعة، وأنهتها بمنتهى النشاط، بينما يجلس "سي السيد" قعيدا ينظر إليها من شرفة المنزل.

وبعد قيام ثورة يوليو 1952 قرر نجيب محفوظ الرجوع خطوة للوراء والوقوف لتأمل الأحداث ورصد التحول الاجتماعي الحادث في فترة ما بعد الثورة، وفقد رغبته في الكتابة تمامًا، حيث كان يحلُم بمجتمعِ يقوم على قيم ثابتة أولها الحرية والعدالة الاجتماعية والعلم والقيم السامية المستمدة من جميع الأديان، وقال إنه أُجهد بعد الثلاثية، وقال أيضًا إنه لم يعُد للكتابة دور بعد استيلاء الضباط على السُلطة، واستمر توقفه 5 سنوات، وتزوج وأنجب.