ثقافة وفن

«العلويون: الخوف والمقاومة».. عن بناء الهوية الجماعية

بيروت- انديرا مطر –

يكتب المفكر السوري ياسين الحاج صالح في مقدمته لكتاب «العلويون: الخوف والمقاومة- كيف بنى العلويون هويتهم الجماعية في سورية؟»: «كان ينبغي أن يترجم هذا الكتاب إلى العربية قبل عشر سنوات، وأن يقرأه أكبر عدد ممكن من السوريين»، مقراً في المقابل بأن العثور على ناشر له وقتئذ كان سيثبت أنه أمر بالغ المشقة، لكن كان من شأنه اطلاع أعداد أكبر من المهتمين السوريين عليه ان يساعد في تبيّن جوانب من سيرة (المجتمع المفخخ) مجتمعنا، لم يجر التطرق إليها في وقت سابق.

كتاب «العلويون: الخوف والمقاومة» من تأليف الباحث النرويجي المتخصص في الجغرافيا البشرية تورشين شيوتز، وترجمه أخيراً إلى العربية الكاتب والمترجم السوري ماهر الجنيدي، وصدر عن مركز حرمون للدراسات المعاصرة ودار ميسلون للطباعة والنشر (مايو 2018).
ويلحظ الحاج صالح ان الكتاب يعتمد على تركيب بين خبرة ميدانية للكاتب النرويجي الذي درس بناء الهوية العلوية في منطقة الساحل اساساً، وبين عدة نظريات مأخوذة من البنائية ونظرية الخطاب. اما نقطة الضعف المتأصلة في هذا المنهج فهي انه لا يقر بتناول الوقائع الاجتماعية والتاريخية بوصفها شيئا مستقلاً عن خطابات يقرر انه لا خارج لها، ولا تحيل إلى وقائع مستقلة عنها.
أما مترجم الكتاب ماهر الجنيدي فعنون مقدمته بـ«أنا والعلويون والطائفية وهذا الكتاب»، ويروي فيها حادثة شخصية عن أول احتكاك (كاذب) بالطائفة العلوية حين كان طالباً في جامعة حلب وتجرأ على سؤال أحد زملائه بعد أن عرف منشأه: «علوي؟» ما أثار غضب زميله. لكن الجنيدي يذكر لاحقاً أن زميله غير العلوي، وبعد فشله المتكرر في الدراسة، تطوع في أحد الأجهزة الأمنية وبادر في مناسبات عديدة لإيصال رسائل تنبيه له من رؤسائه المباشرين بشأن سلوكه الثقافي والسياسي غير المرضي في الجامعة وصلت في أواسط الثمانينات إلى حد اصطحابه في حكاية اعتقال «طريفة» استغرقت ساعات.

استكشاف المجتمع
اما الداعي إلى ترجمة هذا الكتاب، بعد «الثورة»، فكان اطلاع الجنيدي على ترجمة الدكتور ياسر نديم السعيد للفصل السادس منه، الذي كشف له خواء معارف السوريين عن العلويين، «فبحثت عن الكتاب لقراءته كاملاً، وفوجئت بكمية المتعة في قراءته، بوصفه عملا أكاديميا اولا، وعملاً غنياً من حيث النظرية والتحليل ثانياً، وثالثاً بوصفه عملاً تجسسياً».
اما تورشتون شيوتز وورن، فيذكر انه زار سوريا للمرة الاولى في 2002 وواظب على زيارتها في السنوات السبع اللاحقة لاسباب مختلفة ليس أقلها ان «سوريا هي البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي شعرت فيه إلى حد بعيد انني في بلدي».
لكن المؤلف لم يطل به الأمر ليكتشف لاحقاً، مع تحسن قدرته على التحدث باللغة العربية وفك المزيد من الشيفرات الثقافية، الطرق التي يتبعها الناس لاكتشاف إلى أيّ دين أو ملة ينتمي الآخرون من دون أن يطرحوا سؤالاً مباشراً. ولعل هذه سمة يتشاركها اللبنانيون والسوريون حيث التعدد والتنوع الطائفي، وحيث ينظر إلى الاخرين على انهم «مشكلة البلاد».
يشير المؤلف إلى معضلة واجههته باستمرار وهي الحديث عن «مزايا العلويين وهيمنتهم»، مميزاً ان المشمولين بهذا التصنيف هي شبكات المحسوبية السياسية والاقتصادية للنظام، اما من التقاهم من العلويين في قرى الجبال الساحلية فلم تكن هذه حالهم على الاطلاق، ولم يكن لهم اي دالة او تأثير في ما حدث في سوريا، بل كانوا يعتبرون انفسهم ضحايا مثلهم مثل الجميع.

رؤية الذات
من هنا كانت فكرة البحث التي أثمرت هذا الكتاب/الاطروحة، وهي رغبته في معرفة كيف يرى العلويون انفسهم، وكيف هي علاقتهم ببقية الشعب السوري من خلال انقسام (نحن وهم)، منوها بأن ما كان يهمه ليس الدين، بل الظواهر الاجتماعية والسياسية التي تنشأ عن رؤية العالم من منظور الدين او العرق فقط، ومن ثم ابتسار الناس واختزالهم بكونهم أعضاء في هذه المجموعات، «الدافع هو الخوف، ومن الخوف تنشأ الكراهية».
الكتاب يضم ثمانية فصول، يستهل الفصل الاول المعنون «اكتشاف سورية» بنقض الصور النمطية المتداولة عن العلويين وتلك التي قرأها في كتب روبرت فيسك او دانيال بايبس وهي روايات لا تأخذ في الحسبان البعد السياسي الذي تتضمنه المسائل الطائفية في الشرق الاوسط. ولا يفوت الكاتب الاشارة إلى ان اقوال مصادره وطرائق رواية آرائهم هي امور اعتمدت عليه شخصيا «فسوريا بلد رقابة مشددة يعد فيها طرح المسائل الطائفية طرحا تقسيميا مدمرا للنسيج الاجتماعي. لذلك ما لم يجتمع الاجنبي مع الاشخاص الاكثر جرأة وثقة، فان المعلومات التي سيتلقاها للوهلة الاولى هي فقط وجهة النظر المقبولة والمعتمدة سياسيا».

استخدام التاريخ
وتبدو فصول الكتاب الخامس والسادس دراسة ميدانية تعتمد على المصادر والوقائع الجتماعية، اذ تبين كيفية استخدام التاريخ في بناء العلويين طريقة عيشهم ومكان عيشهم وما اصبحوا عليه الان، وعلى كيفية استخدامهم علامات اجتماعية محددة بغية التفريق بين الـ«نحن» والـ«هم» ومن هذا الفصل السادس نقتطف هذا المقطع:
«ثمة تصور واضح بين العلويين بأنهم جماعة منفصلة تتشارك سمات معينة تجعلهم مختلفين عن بقية السوريين. وهكذا حين بناء هويتهم الجمعية فإن أول ما يركز عليه كل علوي تقريبا (ممن تحدثت اليهم) هو السمات المتحررة لهذه الجماعة.. وما يميز هذا الخطاب العلوي النقدي هو انه أكثر توجها نحو الغرب من الخطاب العلوي الاسلامي الذي يرتبط اكثر بالهوية العربية. وبتقديم انفسهم بوصفهم متوسطيين يقيم هؤلاء العلويون رابطاً مع أوروبا، يحيل إلى كيفية سردهم تاريخهم وجذوره التي تمتد إلى الفلسفة اليونانية، والتعاون مع الصليبيين. ويضطلع المسيحيون بدور مهم أيضاً في هذا البناء، حيث يبينهم العلويون بوصفهم جماعة مشابهة ثقافياً، ومنفتحين عقلياً ومتسامحين، مثلما هم العلويون».
استغرقت ترجمة هذا الكتاب سنتين من البحث والتدقيق العلمي، ويعدّ أحدث كتاب في لائحة الكتب التي يترجمها ماهر الجنيدي والمتخصصة في العلوم الاجتماعية والشؤون السياسية الراهنة.

قد تقرأ أيضا